العربية الفصيحة والدراما السورية

اسد سورية - رفعت شميس


كنت في الصف الثاني الإعدادي ، ومازلت أذكر رد أستاذي - أستاذ اللغة العربية - التدمري المرحوم محمد أبو أحمد على تساؤلاتي :- لماذا لا نتحدث اللغة العربية الفصيحة إلا في دروس اللغة العربية . – ولماذا لا تكون لغة البيت والعمل والشارع هي اللغة العربية الفصيحة؟ يومها ضحك وقال : لو مشيت أنت وزميلك في الشارع تتكلمان اللغة العربية الفصيحة لصرتما أضحوكة . لاشك أن اللهجة العامية المحلية هي اللغة المحكية في كل المجتمعات العربية ولا حضور للفصيحة إلا في محاضر جلسات الاجتماعات وفي إعلام نشرات الأخبار والصحف وفي تدوينات الدوائر الرسمية الحكومية وضبوط الشرطة وجلسات المحاكم وقاعات تدريس علوم اللغة العربية وآدابها فضلا عن وجودها في الكتب بمختلف أنواعها . وهذا الحضور لا يكفي لنقول إن اللغة العربية الفصيحة هي السائدة لأن عامة الناس في الشارع العربي من محيطه إلى خليجه يتحدثون بلهجاتهم المحلية ، لدرجة أن بعض اللهجات تستعصي على الفهم خارج بيئتها . إذا عدنا إلى كتب التاريخ التي نقلت لنا صور الواقع في الماضي بغض النظر عن نوعية تلك الصور واقعية كانت أم مشوبة بالكذب والتحريف فإننا نجد أن اللغة التي استخدمت في التأريخ هي العربية الفصيحة إلى جانب ورود العديد من الألفاظ التي قد نجدها غريبة عن الفصيحة ربما لأن لهجات العرب قد تعددت من معينية وسبئية وحميرية وغيرها لكنها بالنتيجة هي عربية فصيحة ، وهذا يعني أن العرب في شبه جزيرتهم كانوا يتكلمون الفصيحة ، ثم وعندما بدأت هجراتهم إلى الأمصار بدأت تختلط بلغتهم ألفاظ جديدة من بيئاتهم الجديدة فاستخدموا أغلب تلك الألفاظ حتى عصرنا الحاضر في حديثهم، فالعربية الفصيحة كانت لغة البادية وقد حفلت كتب التراث بأخبار من كانوا يرسلون أبناءهم إلى البادية لتعلم الألفاظ العربية الفصيحة التي كادت بعضها أن تنقرض للبعد الزماني والمكاني ، وحقيقة الأمر أن كثيراً من الألفاظ انقرضت لقلة الاستعمال فما عدنا نجدها إلا في بطون الكتب وفي بعض اللهجات البدوية التي مازالت تحتفظ بمخزون لغوي كبير ، ولا ننسى دور القرآن الكريم وما حفلت به كتب السيرة من أحاديث نبوية في الحفاظ على لغتنا العربية الفصيحة . ولا يخفى على ذي بصيرة أن الإعلام بأشكاله كافة قد لعب دورا كبيرا في نشر وانتشار الثقافات ومنها اللهجات المتعددة عبر البث الإذاعي والتلفازي ولا سيما التمثيليات والمسلسلات المسموعة والمرئية فإذا باللهجة المصرية بأشكالها القاهرية والإسكندرية والإسماعيلية والصعيدية تجتاح الوطن العربي بعد ما حققته الدراما المصرية من انتشار فعرفت وفهمت اللهجات المصرية في جميع أنحاء الوطن العربي ، ولم يمض وقت طويل حتى غدت الدراما السورية في موقع المنافس فإذا بها تنتشر سريعا حتى صارت اللهجات السورية ولا سيما الشامية معروفة ومفهومة في كل بلد عربي.. بعد هذه المقدمة ماذا يمكننا القول عن اللغة العربية الفصيحة ونصيبها في الدراما السورية ؟ . لا يختلف اثنان على أن اللهجات العامية السورية ولا سيما الشامية منها هي التي تصدرت في الدراما السورية .. أما اللغة العربية الفصيحة فليس لها الحضور الملموس سوى في المسلسلات التاريخية والدينية وفي بعض الأعمال الاجتماعية . فما الذي دفع إلى تراجع حضور الفصيحة في الدراما السورية . قبل الخمسينات من القرن العشرين ، أي قبل ولادة التلفاز بدأت الدراما السورية عربية فصيحة فيما تبثه الإذاعة السورية من تمثيليات وأغان وموشحات ، وفي العروض المسرحية التي كانت تقام في سائر المحافظات ، حتى في المقاهي الشعبية كان الحكواتي يتحدث نقلا عما يقرأ في كتب التراث بلغة عربية فصيحة ، ثم دخلت اللهجة العامية على يد القصاص الشعبي حكمت محسن فكانت شخوصه الشعبية الشامية مثل أبو رشدي وأم كامل وأبو فهمي ثم أبو صياح بدايات انتشار اللهجة العامية في الدراما السورية . وظهر كل من الفنانين القديرين دريد لحام ونهاد قلعي ومعهما عمالقة بدايات الدراما السورية في فترة الستينات والسبعينات - مثلا لا حصرا- ياسين بقوش – ناجي جبر – نجاح حفيظ – عبد اللطيف فتحي وغيرهم ممن رأيناهم في مقالب غوار وحمام الهنا وصح النوم ، ثم مسرحيات الماغوط مثل (غربة) و(ضيعة تشرين) و(كاسك يا وطن) من بطولة دريد ونهاد وقد عمل فيها كل من عمر حجو وشاكر بريخان وهالة شوكت ونبيل خزام وصباح جزائري وغيرهم ... وراحت العربية الفصيحة تنحدر في الأعمال الدرامية السورية فما كنا وإياها على موعد سوى في الأعمال التاريخية والدينية كما أسلفنا وفي الأعمال العالمية المدبلجة ،وفي برامج الأطفال المحلية والمدبلجة منها ، وفي مسلسلات الفانتازيا التاريخية التي لم تلق النجاح المأمول حيث كانت المسلسلات التاريخية الموثقة أوفر حظاً . وبعد فإن لغتنا العربية الفصيحة هي القاسم المشترك الذي يجمع بين أبناء الشعب العربي ، وأرى أنه يجب تكون هناك مبادرات من مختلف الجهات المعنية للحفاظ عليها ونشرها والتكلم فيها ، ولا ضير أن تسعى الدراما السورية إلى تمكينها من خلال أعمال رائدة تبثها عبر الشاشة الصغيرة.
"

  ||  أرسلت في الخميس 21 مايو 2015 بواسطة  المدير العام     القسم :

صفحة للطباعة


شارك هذا الموضوع على مواقع التواصل الاجتماعي العالمية

Share

صفحة جديدة 1
 

· زيادة حول المواطن الصحفي
· الأخبار بواسطة المدير العام


أكثر مقال قراءة عن المواطن الصحفي:
التسول حاجة أم مهنة- خطر داهم يهدد أمن اللاذقية

صفحة جديدة 1
 

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

صفحة جديدة 1
 


 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

المواضيع المرتبطة

المواطن الصحفي

التعليقات لا تمثل بالضرورة رأي الموقع - وإنما تمثل أصحابها فقط .

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع أسد سورية

 
يوجد حاليا, 14 ضيف/ضيوف.. يتصفحون الموقع